حسن ابراهيم حسن
431
تاريخ الاسلام ( السياسى والديني والثقافي والاجتماعي )
ومات منها ، فرأيته فيما يرى النائم ، فقلت له : يا حماري ! ألم أبرد لك الماء ، وأنق لك الشعير ، وأحسن إليك جهدي ؟ فلم مت على غفلة ؟ وما خبرك ؟ قال : نعم ! لما كان في اليوم الذي وقفت على فلان الصيدلاني تكلمه في كذا وكذا ، مرت بي أتان حسناء فرأيتها فأخذت بمجامع قلبي ، فعشقها ، وأشتد وجدى بها ، فمت كمدا متأسفا ، قلت له يا حماري ! هل قلت في ذلك شعرا ؟ قال : نعم ! وأنشدني : هام قلبي بأتان * عند باب الصيدلاني تيمتنى رضا بدلال * بثناياها الخسان وبخدّين أسيلي * ن كلون الشقران وبخدّ ذي دلال * مثل خد الشنفرانى فبها متّ ولو عش * ت ، إذا طال هوانى فقلت : يا حماري ! فما الشقراني ؟ قال : هذا من غريب الحمير ، فطرب المتوكل ، وأمر الملهين المغنين أن يغنوا ذلك اليوم بشعر الحمار ، وفرح ذلك اليوم فرحا شديدا وسر سرورا لم ير مثله ، وزاد في تكرمة أبى العنبس وجائزته » . كان الخليفة المعتمد مشغوفا بالطرب والغناء والموسيقى . دخل عليه يوما جماعة من ندمائه ، فسأل عبد اللّه بن خرداذبة والد أبى القاسم عبيد الجغرافي المشهور صاحب كتاب « المسالك والممالك » عن نشأة الموسيقى والغناء وما طرأ عليهما من تغيير ، فأجاد في وصفهما في البلاد الإسلامية منذ أقدم العصور ، فسر المعتمد وقاله له : « قد قلت فأحسنت ووصفت فأطنبت ، وأقمت في هذا اليوم سوقا للغناء وعيدا لأنواع الملاهي . وإن كلامك لمثل الثوب الموشى ، يجتمع فيه الأحمرار والأصفر والأخضر وسائر الألوان » . ثم سأل عن الصفات التي يجب أن تتوافر في المغنى الحاذق ، فقال له : المغنى الحاذق يا أمير المؤمنين من تمكن من أنفاسه « 1 » ولطف في اختلاسه « 2 » وتفرع في أجناسه . ثم سأله عن أنواع الطرب قال : « على ثلاثة أوجه يا أمير المؤمنين ، وهي طرب محرك مستخف لأريحية « 3 » ، ينعش النفس ودواعي الشيم عند السماع : وطرب شجن وحزن ،
--> ( 1 ) أي من جمع نفسه لمد الصوت . ( 2 ) أي اختلس النفس دون أن يشعر الناس به . ( 3 ) يحرك الارتياح للكرم من كثرة الطرب .